انقطاع الكهرباء من مرسي إلى السيسي: من أزمة استيراد الغاز الطبيعي إلى أزمة تصديره
التصحيح
من
🔴 في مارس الماضي 2023، صرح وزير الكهرباء محمد شاكر، في حوار مع جريدة اليوم السابع: "زمن تخفيف الأحمال لن يتكرر فى مصر مهما بلغت الأحمال على الشبكة القومية للكهرباء، سواء خلال أشهر الصيف أو الشتاء"، في تذكير لأزمة انقطاع الكهرباء خلال عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، خلال صيف عامي 2012 و2013، ولكن يبدو أن الوزير لم يفِ بالوعد الذي قطعه، وعادت أزمة انقطاع التيار الكهربي من جديد إلى مصر. [1]

⚠️ وبالتزامن مع تنفيذ الحكومة المصرية خطة جديدة لتخفيض الأحمال الكهربائية ومعاناة المواطنين من انقطاع التيار الكهربائي لساعات، ظهرت الكثير من المعلومات المغلوطة والتصريحات المُضللة عن أسباب الأزمة خلال عام 2012/ 2013، وطرق حلها، وأسباب عودتها في الصيف الجاري 2023.

❓ ما هي أسباب أزمة انقطاع الكهرباء في 2012/ 2013؟

❌ ادعي عدد من المسؤولين في تصريحات رسمية، أن أزمة انقطاع التيار الكهربي، خلال عامي 2012 و2013، كانت بسبب ضعف قدرات محطات توليد الكهرباء، وأن إنشاء محطات جديدة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي هو سبب حل تلك الأزمة. [2]

◾ والحقيقة أن هذا الكلام غير دقيق، إذ بلغت القدرة الفعلية لمحطات الكهرباء في العام 2012/ 2013 نحو 29 ألفًا و74 ميجاوات، فيما بلغ حمل استهلاك مصر من الكهرباء نحو 27 ألف ميجاوات في العام 2012/ 2013، بوجود فائض في الإنتاج بلغ ألفين ميجاوات، بحسب نشرة الكهرباء الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ونشرة وزارة الكهرباء. [3]

◾ وفي العام 2013/ 2014 زادت القدرة الفعلية لمحطات الكهرباء إلى نحو 31 ألفًا و149 ميجاوات، فيما بلغ أقصى استهلاك في نفس العام نحو 26 ألف و140 ميجاوات، بفائض يزيد عن 5 آلاف ميجاوات.

⬛ أي أن الأزمة لم تكن في قدرات محطات الكهرباء، ولكن كانت لسبب آخر وهو العجز عن استيراد الوقود من الخارج، وعدم قدرة شركة الكهرباء وقتها على توفير السيولة اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعي والمازوت.

◾ ويقول حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وقتها، إن نقص إمدادات الغاز الطبيعي المشغل الرئيسي لمحطات الكهرباء في مصر هو السبب في خطة تخفيف الأحمال التي اتبعتها الحكومة خلال صيف عامي 2012 و2013. [4]

◾ وطالبت وزارة الكهرباء من وزارة البترول الإسراع فى استيراد الغاز قبل مايو 2013، خاصة مع دخول محطة كهرباء جديدة للتشغيل بقدرات 3800 ميجاوات تستهلك نحو 30 مليون متر مكعب من الغاز والمازوت، لكن لم تستجب البترول. [5]

◾ وفي مارس 2013، حمل وزير البترول وقتها، أسامة كمال، المسؤولية لوزارة الكهرباء وقال إن وزارته ليست المسؤولة عن انقطاع الكهرباء، وأن السبب الرئيسى وراء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي يعود فى الأساس إلى عدم قدرة قطاع الكهرباء على تدبير السيولة المالية اللازمة لتوفير الوقود السائل لبعض محطات الكهرباء. [6]

◾ في ذلك الوقت كانت مراكب الوقود تنتظر بالموانئ المصرية أسابيع كاملة، بسبب عدم قدرة وزارة الكهرباء على توفير السيولة المالية لتفريغ حمولاتها، وأرسل وزير البترول وقتها خطابات إلى وزارة الكهرباء يستعجلها في إرسال التدابير المالية لإفراغ شحنات الطاقة الموجودة في الموانئ.

◾ وفي العام 2014/ 2015، سجل حجم إنتاج الغاز الطبيعي في مصر 46.8 مليار متر مكعب، فيما زاد الاستهلاك إلى 47 مليار متر مكعب، أي بعجز بلغ نحو 0.2 مليار.

❓ وكيف تغلبت الحكومات بعد 2013 على أزمة نقص الوقود؟

⬛ في أبريل 2015، اتفقت مصر على استيراد 84 شحنة من الغاز لسد احتياجات الكهرباء من الغاز الطبيعي، وخصصت 3.55 مليار دولار، في موازنة العام المالي 2015-2016 لاستيراد الغاز الطبيعي، إذ بلغ العجز في هذه السنة نحو أكثر من 7 مليار متر مكعب من الغاز. [7]

◾ في العام 2016/ 2017 بلغ عجز الغاز ذروته بنحو 8.9 مليار متر مكعب، إذ سجل حجم الإنتاج الداخلي 46.3 مليار متر مكعب، وفيما زاد الاستهلاك إلى نحو 55.2 مليار متر مكعب. [8]

◾ ولكن مع بداية ظهور حقل ظهر، تراجع العجز في العام المالي 2017/ 2018 إلى 4.9 مليار متر مكعب، حتى حققت مصر الاكتفاء الذاتي في سبتمبر 2018.

◾ بعد تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، حُلت أزمة وقود محطات الكهرباء بالكامل، بل وزاد الإنتاج مع الاكتشافات واتجهت للتصدير.

🔴 بناء المحطات وزيادة الفائض

◾ بالتزامن مع حل أزمة الوقود، كانت الدولة تنشأ أيضًا محطات تزيد من قدرات الشبكة القومية لإنتاج الكهرباء بحجم أكبر من وتيرة زيادة الاستهلاك سنويًا، حتى توسع الفائض بين الإنتاج والاستهلاك من 6.5 ألف ميجاوات عام 2014/ 2015 إلى نحو 26 ألف ميجاوات عام 2021/ 2022. [9]

◾ إذ زاد الاستهلاك السنوي إلى نحو 28 ألف ميجاوات عام 2014 / 2015 -مع تولي الرئيس السيسي للحكم- فيما زاد الإنتاج وقتها إلى نحو 34.5 ألف ميجاوات في نفس العام.

◾ وتطور الإنتاج بصورة غير مسبوقة حتى بلغ 59.8 ألف ميجاوات عام 2021/ 2022، في ظل زيادة بطيئة للاستهلاك بعدما بلغ نحو 33.8 ألف ميجاوات.

◾ وتعاقدت الحكومة المصرية للوصول إلى تلك الإنتاجية مع شركة "سيمنز" الألمانية لبناء 3 محطات عملاقة باستثمارات بلغت 6 مليارات يورو، من ضمنها تمويلات بحوالي 4.1 مليار يورو من بنوك "التعمير الألماني" و"دويتشة بنك" و"إتش إس بي سي". [10]

❓ وهل أثر ذلك الارتفاع في القدرات على نصيب المواطن من الكهرباء؟

◾ في مقابل زيادة قدرات الشبكة القومية للكهرباء، انخفض نصيب المواطن المصري من الكهرباء من متوسط 1741.4 كيلووات في الساعة عام 2012/ 2013، إلى متوسط 1487 كيلووات في الساعة. [11]

◾ وتقلص متوسط نصيب الفرد من الكهرباء في ظل زيادة أسعار شرائح الكهرباء سبع مرات منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، بنسب زيادة تتراوح من 90% إلى 600%، كما تلاشى دعم الكهرباء من الموازنة العام ليصل إلى رقم "صفر". [12]

◾ وكانت نسبة الزيادة الأكبر على الشرائح الأقل استخدمًا، وهي شرائح محدودي الدخل.

❓ لماذا عادت أزمة تخفيف الأحمال من جديد رغم زيادة القدرات؟

◾ عادت أزمة نقص الطاقة لدى محطات الكهرباء، ولكن بصورة أخرى، بعدما وضعت الحكومة المصرية أولوية لتصدير الغاز الطبيعي لتوفير العملة الصعبة، في مقابل تخفيض وترشيد استخدامه في محطات إنتاج الكهرباء.

◾ بدأت تلك الخطة في أغسطس 2022، وذلك عبر ترشيد الاستهلاك الكهربائي بكافة المباني والمرافق التابعة للحكومة المصرية والقطاع العام، طوال ساعات العمل الرسمية، والالتزام بالغلق التام للإنارة الداخلية والخارجية عقب انتهاء ساعات العمل الرسمية. [13]

◾ وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وقتها، أن الحكومة تهدف من تلك الخطة خفض استهلاك الغاز الطبيعي وتوفيره للتصدير، وقال إنه "من الممكن أن نحصل على نحو 450 مليون دولار شهرياً، قيمة تصدير الغاز الذي يتم توفير استهلاكه عن طريق ترشيد استهلاك الكهرباء". [14]

⬛ ولكن في صيف 2023، طالت تلك الخطة منازل المصريين، وأصبح انقطاع الكهرباء طقس دائم خلال الأسابيع الماضية، ويصل في بعض الأماكن إلى ثلاث ساعات يوميًا.

◾ وبحسب تصريحات مصادر رسمية لموقع الطاقة، يأتي انقطاع الكهرباء تزامنًا مع بدء تطبيق المرحلة الثانية من خطة الحكومة لترشيد الاستهلاك، وذلك توفيرًا للغاز وتوجيهه للتصدير للخارج، وتهدف تلك الخطة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء بنسبة 18% من إجمالي الطاقة المستهلكة على مستوى محافظات الجمهورية بحلول 2035، ويمثّل استهلاك قطاع الكهرباء نحو 60% من إجمالي استهلاك الغاز في مصر. [15]

◾ ولكن مصادر أخرى، أشارت إلى أن "انقطاع الكهرباء تفاقَم نتيجة حاجة عدد كبير من المحطات للصيانة، إذ لا تتحمل غالبيتها مستوى الطلب المرتفع على الكهرباء في فصل الصيف".

❓ كيف وجهت الحكومة أولوية الغاز نحو التصدير في مقابة البيئة؟

◾ زاد استهلاك مصر من الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء من 29.2 مليار متر مكعب عام 2011/ 2012 إلى 36.5 مليار مليار متر مكعب في 2021/ 2022 بنسبة زيادة 25%. [16]

◾ لكن في العام الأخير 2021/ 2022 انخفض استهلاك مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 4.9% وبقيمة 1.8 مليار متر مكعب عن أقصى استهلاك للغاز الطبيعي حدث خلال عام 2018/ 2019 والذي بلغ فيه 38.3 مليار متر مكعب.

◾ ومع ذلك الانخفاض عاد الاعتماد على المازوت بنسبة 488.3% في عام 2021/ 2022 بعدما بلغ 3.4 مليون طن مقارنة بـ584.7 ألف طن في عام 2020/ 2021، وزاد استخدام السولار بنسبة 345.6% خلال نفس الفترة بعد زيادة استخدامه إلى 20.5 ألف طن، بعدما كان انخفض إلى 4.6 ألف طن فقط في العام 2020/ 2021.

◾ يقول إبراهيم عبد اللطيف، الخبير البترولي، في تصريحات لموقع جريدة المال، إن استخدام المازوت في توليد الكهرباء يسبب مخاطر بيئية كثيرة، كما أنه أقل كفاءة، وهو ما يؤثر على كفاءة الكهرباء الناتجة عن عمليات التوليد. [17]

⬛ وهو ما جنت ثماره الحكومة المصرية، حينما حقّقت رقمًا قياسيًا في صادرات الغاز الطبيعي بلغت 8 ملايين طن خلال عام 2022، بقيمة 8.4 مليار دولار، وزيادة نسبتها 140% عن عام 2021.